محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي

173

أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه

منه ، فلما نصبوا الرماح على جنبتي الوادي ، وعلم ما يدخل في المسجد من ذلك ، وزنوه مرة أخرى وقدروا ذلك . فلما أراد أمير المؤمنين الشخوص إلى العراق خلّف أموالا عظيمة فاشتروا من الناس دورهم ، وأرغبوهم ، فكان ثمن ما دخل في المسجد من ذلك كل ذراع مكسر بخمسة وعشرين دينارا ، وعن كل ذراع دخل في الوادي مكسرا خمسة عشر دينارا ، وأرسل إلى مصر وإلى الشام ، فنقلت له أساطين الرخام في السفن حتى أنزلت بجدة ، ثم نقلت على العجل من جدة إلى مكة ، ووضعوا أيديهم فهدموا الدور ، وبنوا المسجد ، وذلك في سنة سبع وستين ومائة ، فكان ابتداؤهم فيما ذكروا من أعلى المسجد من باب بني هاشم الذي يستقبل الوادي والبطحاء ، ووسع ذلك الباب وجعل بإزائه من أسفل المسجد مستقبله بابا آخر ، وهو الباب الذي يستقبل فج خط الحزامية ، يقال له اليوم : باب البقّالين . فقال المهندسون : إن جاء سيل عظيم فدخل المسجد خرج من ذلك الباب ولم يحمل في شق الكعبة ، وهدموا أكثر دار ابن عباد بن جعفر العايدي ، وجعلوا المسعى والوادي فيها ، وهدموا ما كان بين الصفا والوادي من الدور ، ثم حرفوا الوادي في موضع الدور حتى لقوا به الوادي القديم بباب أجياد الكبير بفم خط الحزامية . فالذي زيد في المسجد من شق الوادي تسعون ذراعا من موضع جدر المسجد الأول إلى موضعه اليوم . وإنما كان عرض المسجد الأول من جدر الكعبة اليماني إلى جدر المسجد اليماني الشارع على الوادي الذي يلي باب الصفا تسعة وأربعين ذراعا ونصف ذراع ، ثم بنى منحدرا حتى دخلت دار أم هانئ بنت أبي طالب - رضي اللّه عنها - فيه ، وكانت عندها بئر جاهلية ، كان قصي بن كلاب حفرها فدخلت تلك البئر في المسجد ، فحفر المهدي عوضا منها البئر التي على باب البقّالين في جدر ركن المسجد الحرام اليوم .